محمد الغزالي
343
فقه السيرة ( الغزالي )
أذلك بقية من حرصهم على الحياة ، وتوقّيهم الموت ؟ . فلما رآهم النبيّ عليه الصلاة والسلام يهرعون إلى حصونهم أراد أن يقذف في قلوبهم الرعب فصاح : « اللّه أكبر ! هلكت خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم ، فساء صباح المنذرين » « 1 » . والقرى الفاجرة تجرّ على نفسها الهلاك إن عاجلا وإن اجلا ، روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إذا شاع الزّنى والرّبا في قرية فقد أحلّت بنفسها غضب اللّه » « 2 » . واليهود يشيع فيهم هذا الفساد المزدوج ، فهم إلى اليوم دهاقين الرّبا في العالم ، وهم قادة التبرّج والعهر ، ونسوتهم لا يرددن يد لامس ، ولا ينفي هذا أنّ فيهم فئة تعرف الخلق والعفّة ، ولكنّهم قليل : وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ( 159 ) [ الأعراف ] . والكثرة - لا القلّة - هي التي تحدد مصائر الشعوب . [ حصون اليهود تتداعى ] : وشنّ المسلمون هجومهم على الحصون المشيّدة ، فبدأت تتداعى تحت وطأتهم حصنا بعد حصن ، ودافع اليهود عنها دفاع المستميت ، فإنّ خيبر أخصب أرضهم وأمنع بقاعهم . ولما بدأ الحصار يمتدّ ؛ وبنو إسرائيل إذا سقطت لهم قلعة تمسكوا بأخرى ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لأعطينّ الراية غدا رجلا يحبّ اللّه ورسوله ، ويحبّه اللّه ورسوله ! » فبات الناس يذكرون أيّهم يعطاها . فلمّا أصبحوا غدوا إليه متطلّعين إلى أخذها ، فنادى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم عليّ بن أبي طالب فأعطاها إياه ، فقال علي : يا رسول اللّه ! أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا ؟ قال : « انفذ على رسلك حتّى تنزل بساحتهم ، ثم ادعهم إلى الإسلام ، وأخبرهم بما يجب عليهم من حقّ اللّه ، فو اللّه لأن يهدي اللّه بك رجلا واحدا خير من أن يكون لك
--> ( 1 ) حديث صحيح ، أخرجه البخاري : 7 / 376 - 377 ، عن أنس . ( 2 ) حديث صحيح أخرجه الحاكم : 2 / 37 ، من حديث ابن عباس ، وقال : « صحيح الإسناد » ، ووافقه الذهبي . وهو كما قالا ، ورواه أبو يعلى عن ابن مسعود ، وإسناده جيّد ، كما في الترغيب : 3 / 51 .